فخر الدين الرازي

193

تفسير الرازي

مكنون ) * ( الصمد : 24 ) فإن كان المراد من الكتاب اللوح فهو ليس بمستور وإنما الشيء فيه منشور ، وإن كان المراد هو المصحف فعدم كونه مكتوباً مستوراً ، فكيف الجواب عنه ؟ فنقول : المكنون المحفوظ إذا كان غير عزيز يحفظ بالعين ، وهو ظاهر للناس فإذا كان شريفاً عزيزاً لا يكتفي بالصون والحفظ بالعين بل يستر عن العيون ، ثم كلما تزداد عزته يزداد ستره فتارة يكون مخزوناً ثم يجعل مدفوناً ، فالستر صار كاللازم للصون البالغ فقال : * ( مكنون ) * أي محفوظ غاية الحفظ ، فذكر اللام وأراد الملزوم وهو باب من الكلام الفصيح تقول مثلاً : فلان كبريت أحمر ، أي قليل الوجود والجواب الثاني : إن اللوح المحفوظ مستور عن العين لا يطلع عليه إلا ملائكة مخصوصون ، ولا ينظر إليه إلا قوم مطهرون ، وأما القرآن فهو مكتوب مستور أبد الدهر عن أعين المبدلين ، مصون عن أيدي المحرفين ، فإن قيل : فما فائدة كونه * ( في كتاب ) * وكل مقروء في كتاب ؟ نقول : هو لتأكيد الرد على الكفار لأنهم كانوا يقولون : إنه مخترع من عنده مفترى ، فلما قال : مقروء عليه اندفع كلامهم ، ثم إنهم قالوا : إن كان مقروءاً عليه فهو كلام الجن فقال : * ( في كتاب ) * أي لم ينزل به عليه الملك إلا بعدما أخذه من كتاب فهو ليس بكلام الملائكة فضلاً أن يكون كلام الجن ، وأما إذا قلنا : إذا كان كريماً فهو في كتاب ، ففائدته ظاهرة ، وأما فائدة كونه * ( في كتاب مكنون ) * فيكون رداً على من قال : إنه أساطير الأولين في كتب ظاهرة ، أي فلم لا يطالعها الكفار ، ولم لا يطلعون عليه لا بل هو * ( في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) * ، فإذا بين فيما ذكرنا أن وصفه بكونه قرآناً صار رداً على من قال : يذكره من عنده ، وقوله : * ( في كتاب ) * رد على من قال : يتلوه عليه الجن حيث اعترف بكونه مقروءاً ونازع في شيء آخر ، وقوله : * ( مكنون ) * رد على من قال : إنه مقروء في كتاب لكنه من أساطير الأولين . المسألة السابعة : * ( لا يمسه ) * الضمير عائد إلى الكتاب على الصحيح ، ويحتمل أن يقال : هو عائد إلى ما عاد إليه المضمر من قوله : * ( إنه ) * ومعناه : لا يمس القرآن إلا المطهرون ، والصيغة إخبار ، لكن الخلاف في أنه هل هو بمعنى النهي ، كما أن قوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن ) * ( البقرة : 228 ) إخبار بمعنى الأمر ، فمن قال : المراد من الكتاب اللوح المحفوظ ، وهو الأصح على ما بينا ، قال : هو إخبار معنى كما هو إخبار لفظاً ، إذا قلنا : إن المضمر في * ( يمسه ) * للكتاب ، ومن قال : المراد المصحف اختلف في قوله ، وفيه وجه ضعيف نقله ابن عطية أنه نهي لفظاً ومعنى وجلبت إليه ضمة الهاء لا للإعراب ولا وجه له . المسألة الثامنة : إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب اللوح المحفوظ ، فالصحيح أن الضمير في * ( لا يمسه ) * للكتاب ، فكيف يصح قول الشافعي رحمة الله تعالى عليه : لا يجوز مس المصحف للمحدث ، نقول : الظاهر أنه ما أخذه من صريح الآية ولعله أخذه من السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم : " لا يمس القرآن من هو على غير طهر " أو أخذه من الآية على طريق الاستنباط ، وقال : إن المس يطهر صفة من الصفات الدالة على التعظيم والمس بغير طهور